حين نخلط بين الشجاعة والتهور

بقلم: د. فاطمة صالح باهميم

 مصيدة النجاة المتكررة

حين نخلط بين الشجاعة والتهور

في سنوات تدريسي لمادة النقد الأدبي، كنت أشرح لطالباتي رسالة «التربيع والتدوير» للجاحظ؛ وهي رسالة هجائية ساخرة وصف فيها خصمه بأنه واقع بين طرفين متقابلين في كل شيء: بين الطول والقصر، والسمنة والنحافة. ويرجع ذلك إلى فكرة فلسفية يونانية مؤداها أن الفضيلة تقع بين طرفين مذمومين، فوظّفها الجاحظ توظيفًا ساخرًا، ناقلًا إياها من الأخلاق إلى الأجسام.

وبقيت تلك الفكرة عالقة في ذهني سنوات طويلة، حتى تذكرتها وأنا أتابع خبر الشاب اليمني القعقاع بن عنتر. أعادني الخبر إلى سؤال قديم: هل كان شجاعًا حقًا؟

إن كثيرًا من الناس رأوا فيما كان يفعله جرأةً وإقدامًا، لكن الشجاعة ليست مجرد الاقتراب من المخاطر، ولا الوقوف على حافة الموت والتلويح له باليد، بل هي أن تعرف حجم الخطر، وتزن قدرتك على مواجهته، وتدرك متى تتقدم ومتى تتراجع؛ أما التهور فهو أن تظن أن النجاة السابقة ضمانٌ للنجاة القادمة.

وهنا تكمن الحقيقة: فبعض الناس لا تهزمهم الهاوية في أول خطوة، بل تهزمهم النجاة المتكررة.

سواء كانت نجاةً من خسارة مادية مغامِرة، أو من سرعة جنونية على الطريق، أو استمراءً لأذى صبور، أو اتكالاً على وصفات غير طبية، أو اندفاعاً رياضياً بلا احتراز.

ولعل الحادثة المأساوية لأحد الشباب تجسد هذا المعنى بوضوح؛ فقد انتهت رحلته داخل فوهة بركان بعد سنوات من تسلقها والتجول على حوافها دون وسائل أمان.

 إنها صورة لما يسميه علماء النفس «وهم النجاة المتكررة»؛ فمع كل رحلة سالمة كانت تتكون في النفس قناعة خفية بأن ما يهدد غيره لا يهدده، وأن ما يخيف الناس لا يستحق الخوف. وقد تكون النجاة أحيانًا أخطر من الخطر نفسه؛ لأنها توهم الإنسان بأنه استثناء من القاعدة، وأن ما يسري على البشر لا يسري عليه.

ولم يكن الشاب أول ضحايا هذا الوهم؛ فخبير الأفاعي الذي نجا من عشرات اللدغات أقنعته السلامة أن السم فقد أثره عليه، حتى جاءت اللدغة التي لم ينهض بعدها. وصائد التماسيح الذي خرج سالمًا من أخطار لا تحصى، جاءه الموت من مخلوق بحري هادئ لم يكن يتوقعه. أما كارثة غواصة «تيتان» فقد قدمت درسًا معاصرًا في الفكرة نفسها؛ نجاحات محدودة صنعت ثقة مفرطة، والثقة صنعت تجاهلًا للتحذيرات، ثم انتهى كل شيء في أعماق المحيط خلال لحظات.

ما الذي جمع بين هؤلاء جميعًا؟ لم يكن الجهل بالخطر، بل الاعتياد عليه؛ فالإنسان إذا نجا مرة ازداد حذرًا، أما إذا تكررت نجاته فقد يفقد حذره تدريجيًا، ويبدأ العقل في تزيين المخاطرة حتى يختلط عليه الفرق بين الشجاعة والتهور.

ولهذا كان ديننا دين الاعتدال والوسطية؛ فلا يدعو إلى الجبن، ولا يمجد التهور، وإنما يربي الإنسان على الحكمة التي تضبط الفضائل وتحفظها من الانحراف.

ومن أجمل النماذج على ذلك ما حدث في صلح الحديبية؛ فقد خرج النبي ﷺ وأصحابه معتمرين لا مقاتلين، فلما منعتهم قريش من دخول مكة لم يندفع إلى مواجهة لم يُعِدّ لها، ولم يتراجع خوفًا أو ضعفًا، بل اختار طريق الحكمة والشجاعة معًا؛ رأى الموقف كاملًا، وقدّر نتائجه ومآلاته، فقبل الصلح الذي كان في ظاهره تنازلاً وفي حقيقته فتحاً مبيناً.

هنا يتجلى الفرق الدقيق: المتهور ينظر إلى اللحظة، أما الشجاع فينظر إلى العواقب. المتهور يتحدى الخطر، أما الشجاع فيقدّره. المتهور يظن السنن تتوقف لأجله، أما الشجاع فيدرك أنه بشر تجري عليه قوانين الحياة كما تجري على غيره. أن تعرف أين تقف؛ تلك هي البطولة الحقيقية، وليست الشجاعة أن تنتصر على الخطر مرات شتى، بل أن تعرف متى تواجهه ومتى تتجنبه.

وربما كان ما يردده العوام في تجاربهم أكثر التصاقًا بما نقول: “إن الله يمهل ولا يهمل”. فأن تنجو مرة بعد أخرى ليس نجاحاً دائماً، وأن تفعل الخطأ وتستتر بظلام الليل وغياب العيون ليس ذكاءً.

ولا تقتصر مصيدة النجاة المتكررة على حواف الجبال والبراكين؛ فلها صور أشد خفاءً في حياة الناس، ومنها ذنوب الخلوات، والاستهانة بستر الله المرخى على العبد، والاستدراج الخفي الذي يجعل المرء يألف الخطأ حتى يطمئن إليه، وهي من أذكى مصائد الشيطان وخطواته المتدرجة؛ حيث يقود تعريض الإنسان نفسه للهلاك إلى ظلم النفس التي استأمنه الله عليها. كل ذلك نابع من الطمأنينة الزائفة والوهم الكاذب والسراب المخادع.

ولذلك ليست الهاوية وحدها ما يجب أن نخشاه، بل ما تصنعه فينا النجاة منها؛ فليس كل من اقترب من الهاوية شجاعًا، فبعض الناس يقترب منها لأنه لم يعد يراها هاوية.

ولذلك ليست الهاوية وحدها ما يجب أن نخشاه، بل ما تصنعه فينا النجاة منها؛ فليس كل من اقترب من الهاوية شجاعًا، فبعض الناس يقترب منها لأنه لم يعد يراها هاوية.

أضف تعليق