بقلم : د. فاطمة صالح باهميم

نحن لا نفقد السنوات بالتساوي..

رزنامة العمر، فصولٌ ونوافذٌ

أطلَّ العام الجديد، والكعبة المشرفة ترتدي ثوبها الحريري الآخاذ، ومشهدها على الشاشات يملأ النفس سروراً ببيت الله الحرام. وكما تتجدد كسوة الكعبة في مطلع العام الهجري، تتجدد في النفوس أمنيات وبدايات وذكريات، تختلف من إنسان إلى آخر، وتتشكل منها حكاية عام مضى وآمال عام أقبل.

ومن جميل ما يُذكر في استقبال الأعوام ما كتبه العلامة السعدي رحمه الله لتلميذه الشيخ ابن عقيل رحمه الله: «جدَّد الله علينا وعليكم النعم، ودفع عنا وعنكم النقم».

ومع اختلاف الزوايا التي ننظر منها إلى العام الماضي، ومحاولاتنا المتكررة أن نبدأ العام الجديد بصورة مختلفة، يبقى العام في نظري أشبه بفصول السنة؛ غير أن هذه الفصول في حياة البشر لا تأتي مرتبة كما نراها في التقويم، بل تتداخل وتتشابك.

فثَمَّة أيام تزهر فيها الحياة، وتورق أشجار العطاء، وتثمر ثمار الإنجاز، ويطيب فيها نسيم السعي، وتقترب الأحلام من التحقق. وقد يقفز الصيف إلى قلب الربيع؛ بحركته وسفره وترحاله، ونجاحاته وبدايات أحلامه الجديدة. ثم يطل الخريف بما فيه من سقوط أوراق من أعمار الأحبة، وتساقط أقنعة كانت تخفي حقائق كثيرة، وتباعد نفوس كانت يوماً قريبة، ومع ذلك يبقى فصلاً يعلِّم الإنسان أن التجدد يولد أحياناً من رحم الفقد، وأن القوة تولد من صدمات النكران والخذلان والجحود، وأن وراء كل تغيُّر ميلاد جديد. ويأتي الشتاء بما فيه من برد وصقيع، لكنه يحمل في الوقت نفسه دفء اللقاء، وألفة الأسرة، وصدق الأصدقاء، وقلوباً تحفظ الود وتجبر الخاطر، فتجعل من الليالي الباردة مواسم للمحبة والسكينة.

وجامع ذلك كله أن أقدار الله دائرة في خلقه بحكمة ورحمة، وأن الخير لا ينقطع عن المؤمن ما دام قلبه معلقاً بربه. قال رسول الله ﷺ: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن».

وهكذا يمضي العام الواحد على الناس جميعاً، ولكنه لا يمر على أحد بالصورة نفسها؛ فهو عند قوم صفحة من الفرح، وعند آخرين صفحة من الحزن، وعند فريق ثالث درس من دروس الحياة. غير أن الأعوام – على اختلاف ما تحمله – تشترك في حقيقة واحدة: أنها تمضي.

ولهذا وقف العلماء والمفكرون والأدباء طويلاً أمام الزمن، لا يسألون: كم مضى منه؟ بل: ماذا صنع في الناس؟ وماذا صنع الناس فيه؟ وكيف تمضي الأعمار بينما تظل بعض آثارها حية لا تموت؟ ومن تأملاتهم، ومن تأملات العمر نفسه، تخيلت هذه النوافذ الخمس التي نطل منها على الحياة، لا لنحصي ما مضى من الأيام، بل لنفهم ما تقوله لنا الأيام وهي تمضي.

ومن نافذة إلى أخرى تتوالد الأسئلة التي لا يكاد إنسان ينجو منها: كم بقي من العمر؟ وماذا أفعل الآن؟ ولماذا أؤجل ما أستطيع البدء به اليوم؟ فاللحظة الحاضرة هي العمر الذي نملكه حقّاً، وما مضى صار ذكرى، وما يأتي غيب لا نعلمه.

وما أجمل الهدي النبوي حين قال ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». إنها دعوة إلى العمل مهما ضاق الوقت، وإلى مقاومة اليأس مهما اشتدت أسبابه، وإلى أن نحيا أيامنا بوعي وعمل.

فالأيام لا تُعَدّ… بل تُعاش.

النافذة الأولى: كم بقي منك؟

«كم بقي منك؟» سؤال للتحذير، ودعوة إلى العمل، وقتلٌ للتسويف. وكأن ساعةً معلقة على جدار العمر لا تكف عن التنبيه؛ لا بما فقدت، بل بما بقي في يديك من وقت وعمل وفرصة.

يقول الحسن البصري: «ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك». أيام.. تدفقت كل معاني القلة في كلمة أيام.

ويرى ابن الجوزي أن أعظم الغبن أن يبيع الإنسان الجوهر النفيس ــ وهو الوقت ــ بالحَصى الرخيص من فضول الدنيا. فشرف الغاية هو الذي يمنح الدقيقة قيمتها؛ فجلسة تسبيح, أو قراءة آية، أو إغاثة ملهوف، قد تحوّل دقيقة عابرة إلى كنز باقٍ لا ينفد.

ماذا بقي من عمرك؟ سؤال ليس لحساب السنين والأيام، بل لحساب الأثر والعلم الذي يتركه صاحبه. فالإمام النووي توفي وهو بعمر 45 عاماً فقط، ومع ذلك يُعد من أهم علماء الأمة، وصاحب كتب لا تزال حية إلى اليوم: “رياض الصالحين”، و”الأربعون النووية”، و”منهاج الطالبين”. عمر قصير، لكنه أثمر ما يعجز عنه أعمار طوال.

وما دام الغد مستوراً، والعمر مجهول المقدار، فلم يبق لنا إلا الآن؛ تلك اللحظة الصغيرة التي تتشكل فيها الحياة كلها.. فكيف نحسن هندستها؟

النافذة الثانية: الآن.. ولا تنتظر

الآن.. (الحين، دحين، بسرعة، وش مستني).

كم كنا صغاراً ننزعج من إلحاح آبائنا ومعلمينا: “قوم سوي اللي قلت لك عليه وش مستني”، “قوم صلي”، “قومي نظفي”، “سوي الواجب”. كانوا يعلمون قيمة الآن، وأنها سر محاربة التسويف والكسل وضياع الوقت.

وقد أدرك العلماء قيمة هذه اللحظة الفورية؛ فعبد الله بن عمر يقول: «إذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساءَ، وإذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصباحَ، وخذ من صحتِك لمرضِك، ومن حياتِك لموتِك». وعلي بن أبي طالب يستنهض الهمم: «إنَّ اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل». ومالك بن دينار كان يوبخ نفسه: «ويحكِ بادري قبل أن يأتيكِ الأمر».

لكن العجيب أن أكثر ما يؤجل الإنسان هو حياته نفسها! ينتظر وقتاً أفضل، أو ظرفاً أكمل، أو بدايةً يظنها أقرب إلى النجاح. وبين الانتظار والانتظار تمضي الأيام.

وهنا يطل السؤال: ماذا تنتظر بالضبط؟ ننتظر بشرى، ننتظر فرجاً، وهذا مطلوب ومحمود؛ فالانتظار صبر، والصبر ثبات ورضا. لكن يبقى الانتظار مذمة ومنقصة وجهلاً عندما ننتظر بداية الأسبوع لنبدأ نظاماً صحياً، أو ممارسة رياضية، أو قراءة، أو تعلّم مهارة. انتظار الظروف المناسبة لبداية جيدة إنما هو إضاعة أيام من العمر، وكأن التغيير يسكن في الغد لا في اليوم واللحظة.

أدرك السلف أن الانتظار مقبرة الفرص، فكانت مبادراتهم فورية وحاسمة. فهذا عمير بن الحمام في معركة بدر، سمع النبي ﷺ يقول: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، وفي يده تمرات يأكلها، لم ينتظر حتى ينهي لقيماته، بل رمى بها وقاتل فوراً حتى استشهد. وهذا سليم بن عتر كان إذا شعر بالتردد يقول لنفسه: «قومي يا نفس، فوالله لتَقُومِنَّ، أو لأجعلنَّكِ تقومين وأنتِ كارهة».

ويأتينا أبو عبيدة بن الجراح بكلمة قصيرة، لكنها تحمل من الحكمة ما تحمله الكتب المطولة: «إنما هي أيام ونمضي». جملة تختصر العمر كله، وتذكرنا أن الرحلة أقصر مما نظن، وأن ما نؤجله اليوم قد لا نجد إليه غداً سبيلاً.

والزمن في حقيقته لا ينتظر أحداً، لكنه يمنح كل إنسان المادة نفسها: ساعات وأياماً وأعواماً. ويبقى الفرق فيمن يستهلكها، ومن يحولها إلى مشروع حياة.

النافذة الثالثة: حين يصبح الزمن مشروعاً

العمر مشروع بناء، ولا مشروع بلا هدف، ولا هدف بلا طريق، ولا طريق بلا خطوة أولى.

المولود يدرك أبواه أن مولدهما مشروع لبناء عبد صالح، والمعلم يدرك أن الطالب مشروع لإنسان ومواطن صالح، والإنسان يدرك أن المشاريع لا تنجح إلا بالوعي والعلم وتحديد الهدف والتخطيط والعمل والاستمرار.

فساعات العمر متشابهة في الطول، لكنها ليست متشابهة في الأثر. فقد تمر ساعة لا تترك وراءها شيئاً، وقد تمر أخرى تولد فيها فكرة، أو يُكتسب فيها علم، أو يُصنع فيها خير يمتد أثره سنوات طويلة.

كان ابن الجوزي يقول لولده: «اعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاساً، وكل نفس خزانة…». وكأن العمر عنده سلسلة من الخزائن التي يملؤها الإنسان بما يختار.

أما ابن الهيثم فلم يجعل من محنته عذراً للتوقف. فعندما وجد نفسه في “الإقامة الجبرية” في مصر، لم يستسلم لمراقبة الزمن وهو يمضي، بل حوّل تلك الغرفة المظلمة إلى مختبر علمي، وخرج للعالم بـ”كتاب المناظر” الذي غيّر مجرى علم الفيزياء والبصريات، وصنع منه أباً للمنهج العلمي الحديث.

هكذا يصبح الزمن مشروعاً؛ حين لا نكتفي بمروره، بل نحوله إلى بناء. فكل يوم يُضاف فيه علم، أو يُنجز فيه عمل، أو تُغرس فيه قيمة، هو لبنة جديدة في عمارة العمر.

وعندما تجعل العمر مشروعاً، فإنك تقاوم الرتابة تلقائياً؛ لأن البناء لا يجتمع مع الجمود، والنمو لا يعيش في ظل التكرار.

النافذة الرابعة: هل ترضى بتكرار يومك؟

(ملل، طفش، زهق…) عبارات تخيفني، لأنها تذكرني أن هناك أخطاء، واستحواذاً للشيطان على النفس. وقت المسلم يخلو من الفراغ الذي يجلب مثل هذه الألفاظ السامة، وهي لا تصدر إلا عن أفكار متحجرة في العقل، وقلب مغلق عن الفهم.

فهذا أبو بكر الصديق يكسر روتين العادة والاكتفاء بباب واحد من الخير. في حديث شهير، سأله النبي ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» قال: أنا. قال: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قال: أنا. قال: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قال: أنا. قال: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قال: أنا. فقال ﷺ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ». أبو بكر كان يغير “روتين” يومه بتنويع مذهل في العطاء.

والحسن البصري كان يرى في تكرار اليوم دون وعي خسارة وجودية، وهو القائل: «مَن استوى يوماه فهو مغبون»؛ أي من كان يومه الحاضر نسخة مكررة من أمسه دون زيادة في علم أو عمل، فهو خاسر مغفل.

وهذا الأعمش قاوم رتابة العجز والتقدم في السن، فَرُوي عنه أنه قرابة سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى مع الإمام في الصلاة. هذا الانضباط الصارم ليس رتابة مملة، بل هو انتصار يومي متجدد على كسل النفس.

أما الشافعي فكان يرى في الاستقرار والرتابة مفسدة للذهن والروح، ولذلك قاومها بالترحال وتغيير البيئة وتجديد الفكر:

مـا في المَقامِ لِذِي عَقْلٍ وَذِي أَدَبِ … مِنْ رَاحَةٍ فَدَعِ الأَوْطَانَ وَاغْتَرِبِ

سَافِرْ تَجِدْ عِوَضاً عَمَّنْ تُفَارِقُهُ … وَانْصَبْ فَإِنَّ لَذِيذَ العَيْشِ فِي النَّصَبِ

إني رَأَيْتُ وُقُوفَ المَاءِ يُفْسِدُهُ … إِنْ سَاحَ طَابَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

وقد تتشابه الأيام في ظاهرها، لكنها تختلف اختلافاً عظيماً حين يتغير الإنسان الذي يعيشها. فإذا أدركت أن اليوم الجديد لا تصنعه الشمس، بل تصنعه أنت، تفتحت أمامك النافذة الأخيرة.

النافذة الخامسة: الأيام لا تُعَدّ… بل تُعاش

تمر أيام، وربما سنوات، بلا روح ولا أثر يُذكر، ثم يأتي يوم واحد فنعيشه وكأنه عمر كامل. فبعض الأعوام تمر كأنها صفحة عابرة، وبعض الأيام تبقى حية في الذاكرة زمناً طويلاً.

لا بد أن نتعلم التقاط البهجة في التفاصيل الصغيرة، وأن نصنع من التجارب العادية معاني تستحق أن تُعاش.

فهذه أسماء بنت أبي بكر – ذات النطاقين – في رحلة الهجرة، وهي حامل في أيامها الأخيرة، لم تعتذر بظروفها أو تحسب مشقة الأيام، بل شقت نطاقها نصفين لتربط زاد النبي ﷺ وأبي بكر. عشت اللحظة التاريخية بصناعة الموقف، ولم تشغلها الحسابات المادية.

وابن حزم الأندلسي كان يقول: «أجلُّ العلوم هو ما قرّبك من بارئك»، وكان يعيش كل يوم في محراب العلم والكتابة والدفاع عن فكرته دون أن يلتفت للمضايقات، فكان يومه يفيض بالمعرفة.

وإذا كان ما بقي من العمر مجهولاً، وكان الحكمة أن نعيش اللحظة قبل أن نعدها، فإن العمر في حقيقته ليس أياماً تُستهلك، بل مشروعٌ يُبنى. فكل يوم نعيشه بوعي، وكل لحظة نعمرها بطاعة أو علم أو عمل صالح، إنما نضع بها لبنة في بناء الحياة الحقيقية: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا لَهۡوࣱ وَلَعِبࣱۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ لَهِیَ ٱلۡحَیَوَانُۚ لَوۡ كَانُوا۟ يَعۡلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64]

والحياة لا تُبنى بالقفزات الكبرى، بل بالخطوات الصغيرة التي لا نتوقف عن السير فيها. وهذا ما يجسده الهدي النبوي في قوله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». فالأثر العظيم لا يولد دفعة واحدة، وإنما ينمو كما تنمو الشجرة؛ بذرةً صغيرة، ثم جذراً، ثم غصناً، ثم ظلاً وارفاً.

الأعوام تمضي على الجميع، لكن القليل فقط يجعل منها سُلَّماً يرتقي به في العلم، والعمل، والإيمان، ونضج الروح. أما الباقون فيكتفون بعدِّ السنوات، بينما يصنع غيرهم منها حياة.

أضف تعليق