خيط حريري يصلنا بقلوب والدينا
بقلم: د. فاطمة صالح باهميم
بر الوالدين بحر لا ساحل له، وصوره أكثر من أن تُحصى. فمن الناس من يراه في الطاعة، ومنهم من يراه في النفقة، ومنهم من يجتهد في الهدايا والخدمة وقضاء الحاجات. وكل ذلك خير عظيم.
لكنني مع الأيام بدأت أتساءل: هل كل ما يسعدنا نحن يسعد والدينا؟ وهل نعرف حقًا ما الذي يلامس أعماق قلوبهم؟
لكل أب وأم باب مختلف للسعادة، ولكل منهما مفتاح خفي قد لا يراه الأبناء، وقد لا يبوح به الوالدان أنفسهما.
منذ سنوات زارتني أمي في مدينتي، ومكثت عندي أيامًا. وفجأة خطرت لي فكرة لم أخطط لها من قبل. قلت لها:
“ما رأيك أن تزوريني في مدرستي الثانوية؟”
نظرت إليّ باستغراب وقالت:
“أزورك في المدرسة؟”
قلت:
“نعم.”
ولا أدري إلى اليوم كيف قفزت هذه الفكرة إلى ذهني، لكنني أحسبها فضلًا من الله ومنحة ساقها إليّ.
حضرت أمي إلى المدرسة، وكنت في استقبالها. لا أذكر أنني كنت أستقبلها وحدي، بل كان معي وفد من الحب، ووفد من الامتنان، ووفد من الفخر.
دخلنا الإدارة، ونظرت المديرة إليّ بعينيها وكأنها تسأل: من هذه؟
فقلت بكل بساطة:
” هذه أمي.”
ثم بدأت جولة طويلة في أرجاء المدرسة. مررنا على الإدارة، وغرفة المعلمات، والمكتبة، وساحات المدرسة، وممرات الصفوف.
وفي كل مكان كنت أقدمها للناس بالعبارة نفسها:
“هذه أمي.”
كانت طالبات المرحلة الثانوية ينظرن إليها بدهشة وفضول. وكانت المعلمات يرحبن بها بمحبة واحترام. أما أنا فكنت أراقب وجهها أكثر مما أراقب المكان.
كنت أرى في عينيها مشاعر لا أستطيع وصفها؛ مزيجًا من الدهشة والفرح والخجل والسعادة.
وحين انتهت الزيارة وعدنا إلى المنزل، لم أكن أعلم أن تلك الساعات القليلة ستبقى في قلبها سنوات طويلة.
كانت تتحدث عنها كثيرًا.
تتحدث عن الطالبات.
وعن المعلمات.
وعن المدرسة.
لكنني اكتشفت بعد ذلك أن ما بقي في قلبها لم يكن المدرسة كلها.
بل شيء آخر.
في أحد الأيام قالت لي:
“أنت الوحيدة التي تفتخرين بي وتقدمينني للجميع بلا خجل.”
عندها فقط فهمت.
فأمي لم تكن تنظر إلى المدرسة.
كانت تنظر إلى نفسها من خلال عيني.
كانت امرأة بسيطة لا تقرأ ولا تكتب، وكانت تقول أحيانًا:
“أنا جاهلة، ما تخجلين تأخذيني لمدرستك؟”
وكنت أتعجب من هذا الكلام.
لأنني لم أكن أرى أمي بهذه الصورة أبدًا.
قلت يا أمي: من حكمة الله أن جعلك لا تحسنين القراءة والكتابة، فالحمد لله، ولكن منحك الكثير مما لا ترينه،
فأنت امرأة ذكية بالفطرة، راقية في حديثها، كريمة في عطائها، جميلة في روحها، عظيمة في أثرها.
كنت أرى فيها أشياء أكبر من الشهادات.
وأكبر من المناصب.
وأكبر من القراءة والكتابة.
ولعل أجمل ما حدث بعد الزيارة أن بعض المعلمات قلن لي في اليوم التالي:
“أمك شخصية رائعة.”
وقالت أخرى: “كلامها عذب وابتسامتها خجولة”.
ابتسمت وكانت ابتسامة الفخر الذي صنعته الحركة لا السكون، النية الصادقة لا النوايا العرجاء.
وكم كنتُ حريصةً على أن تدرك أمي أن قولي لها لم يكن مجاملة ابنة، بل كان حقاً صادقاً؛ وجاء الدليل على لسان الغرباء يا أمي، لقد قالوا عنكِ ما كنتُ أقوله لكِ تماماً.”
ومع مرور السنوات اكتشفت أن هذه ليست قصة أمي وحدها.
بل قصة كثير من الآباء والأمهات.
نحن نعرف كيف نعطيهم المال.
ونعرف كيف نقدم لهم الهدايا.
لكننا لا نعرف دائمًا ما الذي يلامس قلوبهم حقًا.
أتذكر أنني في صغري احتضنت والدي مرة احتضانًا عفويًا وقوياً دون سبب.
“… وبعد أيام سألتني أمي بعفويتها: (أنتي حضنتي أبوكي؟)
فقلتُ: نعم، وأنا لا أخفي قلقي من أن أكون قد أخطأت أو تجاوزت حدودي.
فقالت: (عارفه وش قال أبوكي؟)
نظرتُ إليها والماء البارد ينسكب على رأسي..
قالت أمي: (أبوكي يقول: لقد شالت كل تعب وهموم السنين من قلبي).”
كنت حينها طفلة وكبرت وفهمت ما قاله والدي رحمه الله وندمت أني لم أكرر هذا الحضن.
ليس بيننا وبين قلوب والدينا أبواب مغلقة، وإنما خيوط حريرية دقيقة، قد لا نراها إلا بعد سنوات. يهدي الله إليها من يشاء، فيكتشف أن كلمة واحدة أو موقفًا عابرًا كان أعظم أثرًا من هدايا كثيرة.
وكان الخيط الحريري لوالدي ذلك الحضن القوي، وخيط الحرير لأمي هذه الزيارة لمدرستي وتقديمي لها لكل منسوبات المدرسة بما فيهن طالباتي، ورود المدرسة.
ومن هنا أدركت أن لكل والد ووالدة خيطًا رفيعًا خاصًا به.
خيطًا لا يُرى.
ولا يُكتب في الكتب.
ولا يتشابه عند الناس.
فقد يكون كلمة.
وقد يكون حضنًا.
وقد يكون استشارة.
وقد يكون إظهار الفخر والاعتزاز بهم أمام الناس.
ولهذا أقول:
ابحثوا عن المفتاح الخفي لقلوب والديكم.
راقبوا ما يضيء أعينهم.
استمعوا لما يفرحهم.
اصنعوا معهم ذكريات لا تُنسى.
وأظهِروا لهم مكانتهم في قلوبكم.
فربما تكون كلمة واحدة، أو موقفًا واحدًا، أو لحظة عابرة، هي أكثر ما يحملونه معهم سعادةً إلى آخر العمر.
أما أنا، فقد رحلت أمي، وما زال الفقد موجعًا، وما زالت العين تشتاقها.
لكن مما يخفف هذا الوجع أن الله وفقني إلى تلك اللحظة الجميلة قبل رحيلها.
لحظة أشعرتها فيها بما كانت تستحق أن تشعر به دائمًا:
أنها كانت، وما زالت، مصدر فخر كبير في حياتي.. وإن كان قد تلا ذلك الفخر بحرٌ من الدموع بعد رحيلها. رحمكِ الله يا أمي.”

أضف تعليق